محمد جمال الدين القاسمي

409

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

منهم ما يردّ ضرره عليهم . فهو وعيد لهم ، أو وعد لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم . أي يسمع ما تدعو به ، ويعلم نيتك وما تريده من إظهار دين الحق . وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 138 ] صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ ( 138 ) صِبْغَةَ اللَّهِ مصدر مؤكد منتصب عن قوله آمَنَّا بِاللَّهِ كذا قاله سيبويه . فهو بمثابة فعله . كأنه قيل صبغنا اللّه صبغة . أي صبغ قلوبنا بالهداية والبيان صبغة كاملة لا ترتفع بماء الشبه ، ولا تغلب صبغة غيره عليها . والصبغة كالصبغ ( بالكسر فيهما لغة ) ما يصبغ به وتلون به الثياب . ووصف الإيمان بذلك لكونه تطهيرا للمؤمنين من أوضار الكفر ، وحلية تزيّنهم بآثاره الجميلة ، ومتداخلا في قلوبهم . كما أن شأن الصبغ بالنسبة إلى الثوب كذلك . ويقال : صبغ يده بالماء غمسها فيه . وأنشد ثعلب : دع الشر وانزل بالنجاة تحرزا * إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ وقال الراغب : الصبغة إشارة من الله عز وجل إلى ما أوجده في الناس من بداية العقول التي ميزنا بها من البهائم ، ووشحنا بها لمعرفته ومعرفة حسن العدالة وطلب الحق ، وهو المشار إليه بالفطرة في قوله : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [ الروم : 30 ] الآية ، والمعنى بقوله عليه السلام : كل مولود يولد على الفطرة « 1 » . . . الخبر . وتسمية ذلك بالصبغة من حيث إن قوى الإنسان التي ركب عليها ، إذا اعتبرت بذاته ، تجري مجرى الصبغة التي هي زينة المصبوغ . ولما كانت اليهود والنصارى ، إذا لقنوا أولادهم اليهودية والنصرانية ، يقولون : قد صبغناه - بيّن تعالى أن الإيمان بمثل ما آمنتم به هو صبغة الله وفطرته التي ركزها في الخلق . ولا أحد أحسن صبغة منه . ( ثم قال ) وقول الحسن وقتادة ومجاهد : إن الصبغة هي الدين ، وقول غيرهم : إنها الشريعة ، وقول من قال : هو الختان - إشارة إلى مغزى واحد . وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً الاستفهام للإنكار والنفي . أي لا صبغة أحسن من صبغته تعالى . لأنها صبغة

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الجنائز ، 93 - باب ما قيل في أولاد المشركين . ونصه : عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل مولود يولد على الفطرة . فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه . كمثل البهيمة تنتج البهيمة . هل ترى فيها جدعاء ؟ » .